! خلف الصورة بين الخلاص الفردي وتقرير المصير
وأنا أشاهد صور طوابير الجامعيين وهم يشحتون فرصة للخلاص الفردي أمام معهد فرنسا بالجزائر، شعرت بألم عميق استشرفت نتيجته منذ زمن بعيد. غير أن المشهد فرض علي استحضار صور أخرى من مراحل مختلفة من تاريخنا المعاصر .
أول مشهد هو استفتاء تقرير المصير في 1 جويلية 1962.قلت في نفسي، ماذا لو كان شعبنا اليوم هو شعب الامس؟ بماذا كان سيصوت حينها لو كان يعلم مآل استقلاله المغتصب وجزائره المغدورة؟
أما المشهد الثاني ففرحة الجزائريين بالاستقلال وكلهم أمل في مستقبل دون جرائم الاستعمار وبشاعته؟
ومن المشهدين، حاصرتني صدمات عدة:
أولها: كيف فشلنا في تحويل وعينا الفردي كما في 1830 وما بعدها إلى وعي جماعي كما في الحركة الوطنية وثورة التحرير 1954؟ لماذا يبحث كل واحد فينا عن خلاصه الفردي فقط في وقت نحن في أمس الحاجة إلى تقرير مصيرنا الجمعي بتحرير ثان وبناء دولة ومجتمع حقيقيين؟
ثانيها: كيف قبل شعب بكامله أن يتنازل عن حريته واستقلاله لنظام استبدادي فاسد مجرم بعد قرون من الحروب والمقاومات ؟
ثالثها: اذا كان هذا هو حال وموقف الجامعيين بقضهم وقضيضهم، فماذا سنقول عن بسطاء القوم الذين أجبروا على اختزال أحلامهم في قوتهم اليومي؟ لماذا يفضل هولاء خلاصهم الفردي ولا يرفعون راية التغيير بأنفسهم كما فعل أمثالهم في اندونيسيا وكوريا الجنوبية وبولونيا وحتى في بوركينا فاسو؟
رابعها: جمع الباحثين عن منافي وأوطان أخرى كبير . ويذكرني ذلك بوقفاتي واحتجاجاتي مع قلة من النشطاء المقاومين وجموع المارة والمتفرجين في الارصفة تنظر الينا باستغراب واستغراب وكان امر مصير البلد لا يهمها.
خامسها: سأكتب عنها مقالا مواليا وتعنى بسلوك وزارة الداخلية والنظام البوليسي مع النشطاء والحقوقيين من جهة ومع جموع الموالين والفارين بجلودهم من جهة أخرى.
أنا لا ألوم أحدا لكنني أتألم وأنا أشهد كيف تستنزف الجزائر في عقولها وشبابها ومقدراتها..لا ألوم أحدا لكنني ابكي وطنا صار أرض نهب ومعبر وخروج..لا ألوم أحدا لكني ارثي "نون الجماعة" فينا ونحن نرى كيف تغتال عقولنا وتكسر سواعدنا و تشوه أحلامنا ونحن عن كل ذلك "صم بكم عمي". فمتى سنفقه واقعنا ونستشرف مستقبلنا ونغير مصيرنا بأيدينا؟
فضيل بوماله



